فخر الدين الرازي
19
تفسير الرازي
الشافعي : قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام ) * ( الإسراء : 1 ) وإنما أسرى به من بيت خديجة . فالآية دالة إما على المسجد فقط ، أو على الحرم كله ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعاً ، فإن قيل : المراد به الحج ولهذا قال : * ( بعد عامهم هذا ) * لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة ، قلنا : هذا ضعيف لوجوه . أحدها : إنه ترك للظاهر من غير موجب . الثاني : ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم ، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام . الثالث : أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو عرفة . الرابع : الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى : * ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) * ( التوبة : 28 ) فأراد به الدخول للتجارة . وثانيها : قوله تعالى : * ( أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) * وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد ، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل : هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس ، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من العبادة في الكعبة ، وأيضاً فقوله : * ( ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) * ليس المراد منه خوف الإخراج ، بل خوف الجزية والإخراج ، قلنا : الجواب عن الأول : أن قوله تعالى : * ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله ) * ظاهر في العموم ، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر . وعن الثاني : أن الظاهر قوله : * ( ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) * يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول ، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولداً من الدخول بل من شيء آخر ، فسقط كلامهم . وثالثها : قوله تعالى : * ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) * ( التوبة : 17 ) وعمارتها تكون بوجهين . أحدهما : بناؤها وإصلاحها . والثاني : حضورها ولزومها ، كما تقول : فلان يعمر مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " ، وذلك لقوله تعالى : * ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) * ( التوبة : 18 ) ، فجعل حضور المساجد عمارة لها . ورابعها : أن الحرم واجب التعظيم لقوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء : " اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة " فصونه عما يوجب تحقيره واجب وتمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به وأقدموا على تلويثه وتنجيسه . وخامسها : أن الله تعالى أمر بتطهير البيت في قوله : * ( وطهر بيتي للطائفين ) * ( الحج : 26 ) والمشرك نجس لقوله تعالى ؛ * ( إنما المشركون نجس ) * ( التوبة : 28 ) والتطهير على النجس واجب فيكون